قطاع النفط الليبي… فساد كبير وتقارير كانت تكتب فقط للتاريخ

رويترز

كشفت الوكالة البريطانية رويترز في مقال نشر بتاريخ 23 ديسمبر 2011 -عن تقرير أعدته جهة مسؤولة- عن التحقيقات والمراقبة الشعبية في عهد القذافي باسم “التقرير السنوي للمراقبة التنفيذية لسنة 2010″، يذكر أن الحكومة تقدم كل سنة تقريرا مماثلا لمؤتمر الشعب العام ولكن لا يتم الكشف عنه للعموم.

وبينت رويترز أن المفاجأة في التقرير تتمثل في أنه أظهر بصفة جادة محاولة النظام لتحديد النقائص بشأن الشفافية، ويتضمن التقرير وثائق ورسائل خاصة وعقود موقعة مع شركاء أجانب ونتائج تحقيقات قامت بها الوزارة المعنية على مدى السنوات لاسيما في قطاع النفط. وتشتمل على تقارير مالية مؤجلة وتواريخ وهمية لعقود وحسابات مصرفية متعددة.

وأبرزت الوكالة أن العديد من الوثائق لا يمكن التحقق منها، خاصة وأن المعنيين نفوا التورط فيها، ولكن وجوده يظهر أن التحديات كبيرة أمام الحكومة الجديدة، وأشارت إلى أن النفط هو شريان الحياة الاقتصادية في ليبيا وهو ما يعطي لصناعة النفط قوة سياسية كبيرة، و يجعل
الأمر أكثر صعوبة للتخلص من الممارسات التي تركها النظام القديم.

فساد

وقال المستشار سمير الشريف الذي كلف بجمع التقارير إنه يجب على المسؤولين الجدد على القطاع أن يغيروا طريقة العمل التي كانوا يعملون بها خلال النظام السابق، ويعمل الشريف بالتوازي مع المسؤول الحكومي رفيق دربي الذي قضى ما يقرب عن عقدين من الزمن في مكتب التدقيق في بنغازي.

وأضاف الشريف أن جميع التعليقات والملاحظات كانت ترسل إلى جميع المنظمات المعنية والتي كانت تخفيها بالضرورة، “لقد بدأ الفساد من الأعلى”، وأضاف أنه كان يقوم بتقديم التقارير أمام مؤتمر الشعب العام، “لقد كان أشبه بالذهاب إلى المسرح، كنت أعرف كيف كانت تدار العملية”، وأشار دربي إلى أن التقارير كانت تكتب وقتها للتاريخ، “لقد كنا نعلم أن شيئا ما سيحدث في أحد الأيام”.

وقبل سقوط القذافي كانت المسؤولة في وزارة التحقيقات والرقابة الشعبية هي هدى بن عامر. وكانت من أشد الموالين للقذافي وكانت مهمتها تعزيز الشفافية من خلال التحقيقات، ولكن وفقا لعدة أشخاص عملوا معها كانت مهمتها الأساسية هي العمل على جمع المعلومات عن الناس الذين يشكلون تهديدا للنظام.

وبينت رويترز أنها لم تستطع الاتصال بها للتعليق في ظل تقارير تفيد بأنه تم القبض عليها خلال شهر سبتمبر الماضي ولا يعرف مكان وجودها، ويعتقد البعض أنها فرت من البلاد في حين يقول البعض الآخر إنها في السجن في انتظار المحاكمة.

تجاوزات

من ناحية أخرى يفيد التقرير الذي كشفت عنه رويترز أن الشركة الوطنية للنفط لم تكن تشجع على الاستثمار في ليبيا ، خاصة لدى شركات النفط الدولية مثل بتروكندا ووينترشار وشل وإيني. وقد قامت هذه الشركات بإيقاف أو تخفيض بعض أنشطة التدقيق في البلاد منذ النصف الأول من سنة 2010.

ولكن المسؤولين في هذه الشركات صرحوا للوكالة بأنهم لم يوقفوا أنشطة التنقيب وامتنعوا عن التعليق عن هذه الإفادات. وقال أحد العاملين فيها إنه لا يمكن التوقع بأن تقوم هذه الشركات التي لديها مصالح على المدى الطويل في ليبيا بتصريحات قد تغضب الحكومة الجديدة.

وقال مسؤولون في شركة أخرى إن الشركات النفطية كانت تواجه مصاعب ، حيث يطلب منها القيام بأعمال صيانة غير ضرورية أو إهمال الاهتمام بالبنية التحتية لضمان استبدال أجزاء معينة، وأشار الخبير الأمريكي المستقل جوف بورتر إلى أن محيط الاستثمار في ليبيا كان صعبا ولم يكن في الإمكان القيام بأي تصريح سلبي لأن النتيجة ستكون معاقبة الشركة وتهميشها.

ويشير تقرير 201 إلى أن الشركة الوطنية للنفط قد قامت بخرق القانون، فعلى سبيل المثال، تقول البيانات الختامية للشركة أنها لم تستكمل حساباتها وفقا لقانون المالية، ولم توقع بعض العقود مع الشركات النفط الأجنبية رغم أن النشاط التجاري لهذه الأخيرة بدأ منذ أشهر، يذكر أن آخر عقد يعود إلى ستة أشهر.

ويقول دربي إن الشركة قد تكون فقدت الملايين على كل شحنة جراء ذلك، وقد أشار الخبراء في التقرير إلى أن مبيعات النفط لم تتضمن البنود والشروط التي تضمن الحصول على أفضل الأسعار للشركة.

ممارسات

من جهته، قال وزير النفط السابق ومدير الشركة الوطنية للنفط شكري غانم الذي انشق عن النظام بعد الثورة ، بأن ليس له علم بأية عقود تمت بأثر رجعي وإن هذه الممارسات فاسدة، “من الممكن القيام بهذه الاتفاقات عبر الفاكس أو التلكس، ويمكن أن تكون طبيعية ما دامت الشحنة وصلت وتم الدفع”.

ويقول تجار النفط الذين يتعاملون مباشرة مع الشركة الوطنية للنفط إن التأجيلات البيروقراطية لعدة أسابيع أو أشهر، لطالما كانت تعني مجرد تأخير استثنائي، وقال محمد الكيلاني- الذي عمل في الشركة لمدة 27 سنة وكان مدير القسم القانوني فيها حتى سنة 2002- كانت هناك لوائح ضد هذه الممارسات التي يمكن أن تحدث في ظروف استثنائية ويوافق عليها مجلس الإدارة.

وبينت الوكالة أن تقريرا منفصلا نشر سنة 2010 يفيد بأن حوالي خمسة ملايين برميل نفط تبلغ قيمتها حوالي نصف مليار دولار اختفت من أحد الحقول سنة 2008، وأشار إلى أن ملايين الدولارات من مدفوعات النفط كانت غير منتظمة وصعبة التتبع، وهذا يرجع أساسا إلى أنه تم فتح حسابات مصرفية متعددة باسم الشركة الوطنية للنفط.

وقد تم عقد صفقات من قبل بعض الأفراد من دون ترخيص، ويقول التقرير إن رئيس إدارة النفط كان يقوم ببيع شحنات فورية من تلقاء نفسه دون الرجوع إلى رؤسائه.

أكبر تحد

وأفاد التقرير أيضا بحصول صفقة في مارس 2009 بين غانم ورجل أعمال كبير من الإمارات العربية المتحدة عيسى الغرير لبيع أكبر مصفاة نفط في ليبيا وهي راس لانوف التي تستطيع إنتاج حوالي 220 ألف برميل نفط يوميا.

وتم إسناد تجهيزات المصفاة إلى شركة جديدة هي الإمارات للتكرير وهي مشروع مشترك بين المؤسسة الوطنية للنفط وتراستا للطاقة التي تنتمي إلى مجموعة الغرير، ويقدر الاستثمار بـ2 مليار دولار، ولكن التقرير اعتبر أن الثمن كان ضعيفا بالمقارنة مع القيمة الحقيقية للمصفاة.

وبعد الثورة، تم تعيين مدير جديد للشركة الوطنية للنفط هو نوري بوريان، وقد قامت الحكومة الانتقالية الجديدة بتكوين لجنة للنظر في الشكاوى التي يقوم بها الليبيون حول فقدان ملايين الدولارات في القطاع النفطي في فترة النظام السابق، وقال بوريان إن الفساد هو أكبر تحد للحكومة الجديدة.

المحرران: جيسيكا دوناتي وماري لويز غاموشيان

نقلا عن ليبيا اليوم٠